محمد جمال الدين القاسمي

403

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الزمخشري : قول إبراهيم ذلك . هو قول من ينصف خصمه ، مع علمه بأنه مبطل . يحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه ، لأن ذلك أدعى إلى الحق ، وأنجى من الشغب . ثم يكرّ عليه بعد حكايته ، فيبطله بالحجة . فَلَمَّا أَفَلَ أي : غاب ، قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ أي : لا أحب عبادة من كان كذلك ، فإن الأفول دناءة تنافي الإلهية ، بل تمنع من الميل إلى صاحبها ، فضلا عن اتخاذه إلها أو معبودا ، فضلا عما يفتقر إليه . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 77 ] فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً أي : طالعا منتشر الضوء قالَ هذا رَبِّي على الأسلوب المتقدم فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فإن ما رأيته لا يليق بالإلهية لدناءته بمحوه . قال الزمحشري : وفيه تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلها ، وهو نظير الكواكب في الأفول ، فهو ضال . وأن الهداية إلى الحق بتوفيق اللّه تعالى ولطفه . وفي ( الانتصاف ) : التعريض بضلالهم ثانيا أصرح وأقوى من قوله أولا لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ وإنما ترقى إلى ذلك ، لأن الخصوم قد أقامت عليه ، بالاستدلال الأول ، حجة فأنسوا بالقدح في معتقدهم ، ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون ، ولا يصغون إلى الاستدلال . فما عرّض صلوات اللّه عليه بأنهم في ضلالة ، إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود ، واستماعهم إلى آخره . والدليل على ذلك أنه ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم ، والتقريع بأنهم على شرك حين تمّ قيام الحجة ، وتبلّج الحقّ ، وبلغ من الظهور غاية المقصود . كما قال تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 78 ] فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي على نحو ما تقدم ، وتذكير اسم الإشارة لتذكير الخبر ، أو لأنه أراد : هذا الطالع ، أو الذي أراه ، أو لصيانة الرب عن شبهة